...


المجتمعات الإسلامية



الدين والسياسة في الاسلام /°_°\ مختارات من الصحافة العالمية

من محتوى طرف ثالث ، ستخرج من موقعنا عند النقر فوق هذه الروابط

الخميس، 19 مارس 2026

دول الخليج، والقانون الدولي، والرابط الصامت بين الضربات على إيران والتورط الإقليمي

    مارس 19, 2026   No comments

 مفارقة السيادة

في أروقة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع، وصفت مذكرة دبلوماسية من دول مجلس التعاون الخليجي الهجمات بالصواريخ الباليستية والمسيّرة على البحرين والأردن والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بأنها "وضع يثير قلقاً جسيماً بشأن السلم والأمن الدوليين". ووصفت المذكرة هذه الضربات بأنها "هجمات غير مُستفزّة" تتطلب اهتماماً دولياً عاجلاً، ودعت إلى تعويضات عن الأضرار التي لحقت بالمدنيين والبنية التحتية والبيئة.

ومع ذلك، يكمن وراء هذا النداء الدبلوماسي الموحّد واقع قانوني واستراتيجي معقّد أحجم معظم الفاعلين الدوليين عن التعبير عنه بصراحة: فالهجمات على الأراضي الخليجية تقع في سياق حملة عسكرية أوسع ضد إيران وصفها عدد من الفقهاء القانونيين وعدد محدود من الحكومات الغربية—من بينها إسبانيا—بأنها غير متوافقة مع القانون الدولي.

الإطار القانوني: السيادة، والرد، والتناقض

بموجب ميثاق الأمم المتحدة، تحظر المادة 2(4) التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة. وتعترف المادة 51 بالحق الطبيعي في الدفاع عن النفس إذا وقع هجوم مسلح. وتشكّل هذه المبادئ حجر الزاوية في النظام القانوني الدولي ما بعد عام 1945.

عندما شنّت إيران ضربات استهدفت بنية تحتية عسكرية وطاقية في دول خليجية تستضيف قوات أمريكية، قدّمت طهران هذه الإجراءات لا كعدوان على جيرانها ذوي السيادة، بل كردود مستهدفة على منشآت تُستخدم لتنفيذ ما تصفه بحملة مسلحة غير قانونية ضد الأراضي الإيرانية. وفي رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أوردتها وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، قال السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إرواني إن قرار الإمارات بالسماح باستخدام أراضيها في هجمات على إيران يمثّل "فعلاً غير مشروع دولياً يترتب عليه مسؤولية دولة".

وتُشكّل هذه الحجة القانونية تحدياً للدول التي تسعى إلى إدانة الإجراءات الإيرانية مع الصمت حول الاستخدام الأولي للقوة ضد إيران. وكما ينص أحد مبادئ القانون الدولي: لا يجوز للدولة أن تطالب لنفسها بحقوق تنكرها للآخرين. فإذا كان استخدام إقليم دولة أخرى لشن هجمات ينتهك السيادة، فيجب تطبيق المعيار نفسه بشكل متناسق.

الموقف الدبلوماسي المميّز لعُمان

في ظل الإجماع الإقليمي، حافظت عُمان على موقف دبلوماسي مختلف بشكل ملحوظ. فقد جادل وزير الخارجية بدر البوسعيدي، في مقال له بصحيفة ذا إيكونوميست، بأن الولايات المتحدة "فقدت فعلياً السيطرة على سياستها الخارجية" بسماحها لنفسها بأن تُسحب إلى ما وصفه بـ"التورط غير المرغوب" مع إيران.

ووصف البوسعيدي الضربات الإيرانية على الدول الخليجية التي تستضيف قواعد أمريكية بأنها "حتمية، وإن كانت مؤسفة بشدة"، واصفاً إياها بأنها "ربما الخيار العقلاني الوحيد المتاح" رداً على حرب "مصممة لإنهاء" إيران. ويُبرز تحليله واقعاً يُعقّد السرديات المبسطة للعدوان: فالبنية التحتية العسكرية المستضافة على إقليم ذي سيادة لا توجد في فراغ قانوني. وعندما تُستخدم هذه البنية لإسقاط القوة ضد دولة مجاورة، تصبح الدولة المضيفة، في نظر القانون الدولي والحساب الاستراتيجي، طرفاً في النزاع.

استهداف هندسة الحرب: مواقع الرادار والبنية التحتية العسكرية

يشير تحليل أجرته شبكة إيه بي سي نيوز لصور الأقمار الصناعية ولقطات مُتحقّق منها إلى أن الطائرات المُسيّرة والصواريخ الإيرانية استهدفت ما لا يقل عن 10 مواقع رادار تستخدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها في غرب آسيا منذ تصاعد النزاع. وتشمل هذه المنشآت قواعد في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية، ومواقع في الإمارات، وقاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، ومعسكر عريفجان في الكويت، وقاعدة العديد الجوية في قطر، ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين.

ويلاحظ الخبراء أن أنظمة الرادار حيوية وضعيفة في آن واحد: فانبعاثاتها تجعلها أهدافاً قابلة للكشف، وحتى الضرر الجزئي يمكن أن يُدهور قدرات الكشف، مما يُعمي فعلياً أجزاء من شبكات الدفاع الصاروخي. ويعكس استهداف هذه الأصول حساباً استراتيجياً: تعطيل هندسة الإنذار المبكر التي تُمكّن العمليات الهجومية.

ومن منظور قانوني، يصبح التمييز بين البنية التحتية "العسكرية" و"المدنية" أمراً حاسماً. ويتطلب القانون الإنساني الدولي من الأطراف التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية. ومع ذلك، عندما تكون الأصول العسكرية مدمجة ضمن البنية التحتية المدنية أو مجاورة لها—كما هو الحال غالباً مع منشآت الرادار القريبة من المراكز السكانية—تتضاعف العواقب القانونية والإنسانية.

الردود الدولية: طيف من التفسيرات القانونية

بينما سعت دول الخليج إلى عقد نقاش طارئ في الأمم المتحدة بشأن الضربات الإيرانية، كشف الرد الدولي عن تباين كبير في التفسير القانوني.

وقد كان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من بين الأصوات الغربية الأكثر وضوحاً، إذ صرّح قبالة قمة أوروبية حديثة أن الحرب على إيران "غير قانونية"، و"ليس لها مبرر"، وتسبب ضرراً كبيراً للمدنيين واللاجئين والاقتصادات. وربط سانشيز النزاع بتوترات أوسع في الشرق الأوسط، مؤكداً أنه يتعين على الاتحاد الأوروبي إرسال رسالة واضحة تدعم التعددية والقانون الدولي.

وأفادت وزارة الخارجية الصينية بأنها "معارضة دائماً لاستخدام القوة في العلاقات الدولية"، وأعربت عن صدمتها من تصريحات مسؤولين إسرائيليين بشأن استهداف قيادات إيرانية. ودعا الأمين العام للأمم المتحدة جميع الأطراف إلى إنهاء نزاع "يخاطر بالخروج عن السيطرة تماماً، مسبباً معاناة هائلة للمدنيين".

وشدّدت مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس على أن "الدول الأعضاء لا تملك شهية للدخول في هذه الحرب"، وأن "نحتاج إلى مخرج من هذه الحرب، لا إلى تصعيد". وتعكس هذه التصريحات اعترافاً متزايداً بأن التصعيد العسكري يحمل مخاطر إنسانية واقتصادية عميقة دون حل استراتيجي واضح.

الأبعاد الاقتصادية: مضيق هرمز، والعقوبات، وأمن الطاقة

تتمتع التداعيات الاقتصادية للنزاع بأهمية كبيرة. وتدرس إيران وفقاً لتقارير تشريعاً لفرض رسوم عبور على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وأشار مستشار للمرشد الأعلى الإيراني إلى أن "نظاماً جديداً لمضيق هرمز" قد يُمكّن طهران من فرض حدود بحرية على الدول التي فرضت عقوبات عليها.

وفي الوقت نفسه، أشار وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى أن الولايات المتحدة "قد ترفع العقوبات عن النفط الإيراني الموجود في البحر"—حوالي 140 مليون برميل—لإدارة أسعار الطاقة العالمية. ويُبرز هذا التحول السياسي المحتمل كيف يتم إعادة معايرة الأدوات الاقتصادية استجابةً للوقائع العسكرية.

وأثارت الضربات على حقول غاز رئيسية مخاوف من اضطراب أوسع في أسواق الطاقة. ومع تعرض ثلاثة من أكبر منتجي الغاز في العالم لهجمات مستدامة، يحذر المحللون من مخاطر قد تُعيد تشكيل سلاسل إمداد الطاقة العالمية.

حتمية السردية: الاتساق والمصداقية في الخطاب الدولي

التحدي الدبلوماسي المركزي الناشئ عن هذه الأزمة ليس عسكرياً فحسب، بل سردي أيضاً. فالدول التي تدين الهجمات على سيادتها بينما تُسهّل عمليات عسكرية ضد آخرين من أراضيها تواجه فجوة مصداقية تُضعف مكانتها الدبلوماسية.

ولا يسمح القانون الدولي بالتطبيق الانتقائي. فإذا كانت السيادة مصونة، فيجب أن تكون مصونة للجميع. وإذا كان استخدام القوة يتطلب مبرراً بموجب المادة 51، فيجب أن يفي هذا المبرر بنفس المعيار بغض النظر عن الفاعل. وعندما تستضيف الدول محطات رادار وقواعد عسكرية وتسمح باستخدام مجالها الجوي لعمليات ضد جار، لا يمكنها أن تدعي بشكل ذي مصداقية عدم المشاركة في النزاع الناتج.

ولا يتعلق الأمر بإسناد اللوم، بل بتعزيز الاتساق الذي يمنح القانون الدولي سلطته. وكما لاحظ فقهاء قانونيون، فإن حظر استخدام القوة هو قاعدة آمرة (يوس كوجنس)—مبدأ حتمي لا يجوز الخروج عليه. ولا يمكن أن يكون تطبيقه رهناً بالمحاذاة السياسية.

مسارات إلى الأمام

أشار وزير الخارجية العُماني إلى أنه بينما قد يكون الدبلوماسي "صعباً بالتأكيد" بعد التحولات المتكررة من المفاوضات إلى العمل العسكري، فإن "الطريق بعيداً عن الحرب... قد يكمن بالضرورة في هذا الاستئناف بالذات". ويعترف هذا المنظور بأن الحل المستدام يتطلب معالجة الأسباب الجذرية، وليس مجرد إدارة الأعراض.

وبالنسبة لدول الخليج، يتمثل التحدي الفوري في موازنة الشواغل الأمنية المشروعة مع الضرورة الاستراتيجية طويلة الأجل للاستقرار الإقليمي. وبالنسبة للمجتمع الدولي، فإن الاختبار هو ما إذا كان يمكن تطبيق مبادئ القانون الدولي بشكل متناسق، حتى عندما يكون ذلك غير ملائم سياسياً.

وتُبرز الأزمة الراهنة حقيقة أساسية في العلاقات الدولية: السرديات مهمة. فالمصداقية لا تُكتسب من خلال الإدانة الانتقائية، بل من خلال الاتساق المبدئي. وفي منطقة تتقاطع فيها المظالم التاريخية والمنافسة الاستراتيجية، فإن الأساس الوحيد الدائم للسلام هو الالتزام المشترك بالقواعد التي صُممت لمنع هذا النوع من التصعيد بالذات.

وكما حذر الأمين العام للأمم المتحدة، فإن هذا النزاع يخاطر بـ"الخروج عن السيطرة تماماً". ويتطلب منع هذه النتيجة أكثر من مجرد نقاشات طارئة أو عقوبات مستهدفة. فهو يتطلب الشجاعة لقول الحقائق الواضحة: أن السيادة لا تتجزأ، وأن القانون الدولي ينطبق على الجميع، وأن الأمن الدائم لا يمكن بناؤه على التطبيق الانتقائي لمبادئ كان من المفترض أن تحمي الجميع.







الجمعة، 19 سبتمبر 2025

الإمكانات التحويلية لمعاهدة الدفاع السعودية–الباكستانية

    سبتمبر 19, 2025   No comments

توقيع اتفاقية الدفاع المشترك في 17 سبتمبر 2025 بين السعودية وباكستان هو أكثر من مجرد لفتة رمزية للصداقة بين شريكين قديمين. إنها تمثل نقطة تحوّل في بنية الأمن في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وتبعث برسالة واضحة أن الافتراضات القديمة حول الاعتماد على الحماة الخارجيين، والانقسامات الطائفية، والتحالفات الإقليمية باتت تُعاد صياغتها. لفهم أهميتها الحقيقية، يجب النظر إليها لا كنهاية بحد ذاتها، بل كبداية لمسار مرشح للتوسع—وإذا ما شمل هذا التوسع إيران، فإن التداعيات ستكون تحوّلية بكل معنى الكلمة للمنطقة والعالم.

على مدى عقود، عملت السعودية وباكستان بشكل وثيق في قضايا الأمن، حيث وفّرت باكستان التدريب العسكري والخبرة، فيما قدمت السعودية الدعم المالي والسياسي. ومع ذلك، فإن تقنين التزام متبادل وملزم بالدفاع المشترك يُعد سابقة تاريخية. فبعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة، وتصاعد عدم الاستقرار في الخليج، وتزايد الشكوك حول موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية، جاء هذا الاتفاق ليعلن أن الدولتين مستعدتان لإعادة تشكيل مستقبلهما الأمني وفق شروطهما الخاصة. لغة الاتفاق الدفاعية واضحة، لكن رسالته الضمنية أشد حدة: أي عدوان على أي من الدولتين سيستدعي ردًا مشتركًا، ما يرفع من كلفة أي تصعيد يخطط له طرف خارجي.

لكن الوزن الحقيقي لهذا الاتفاق يتضح أكثر عند النظر إلى احتمالية توسعه. فإيران، التي طالما صُوّرت كمنافس للسعودية في المنطقة، أبدت مؤخرًا رغبة في استكشاف ترتيبات أمنية تعاونية. وإذا انضمت طهران إلى مثل هذا الإطار، فإن خط الانقسام الطائفي الذي شكّل السياسة الإقليمية لعقود سيتداعى. وستصبح الدول السنية والشيعية مرتبطة بالتزامات دفاعية مشتركة، ما يقوّض الطائفية التي غذّت الحروب بالوكالة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، ومزّقت النسيج الاجتماعي لباكستان نفسها عبر هجمات متكررة من الإرهاب الطائفي. إن كلفة هذا العنف—بشريًا واقتصاديًا وسياسيًا—أثقلت كاهل المنطقة طويلاً. واتفاق يردم الهوة الطائفية سيغير بشكل جذري الحوافز التي أبقت تلك الصراعات مشتعلة.

التداعيات ستتجاوز العلاقات الطائفية وحدها. فمحور دفاعي يضم السعودية وباكستان وإيران سيردع المعتدين الخارجيين عبر رفع كلفة أي هجوم إلى مستوى رد مشترك. وسيقلّص مساحة الحروب بالوكالة التي طالما استغلتها القوى الخارجية لبسط نفوذها، فيما سيعيد توازن القوة بين المنطقة والقوى العالمية التي تدخلت طويلاً في شؤونها. بالنسبة لواشنطن وموسكو وبكين ونيودلهي، فإن ظهور كتلة متماسكة تتجاوز الطائفية سيفرض إعادة تفكير جذرية في استراتيجياتها. أما بالنسبة لإسرائيل، التي اعتمدت لعقود على الانقسام الإقليمي للحفاظ على تفوقها الاستراتيجي، فإن ظهور جبهة موحدة من القوى الإسلامية الكبرى سيكون واقعًا جديدًا تمامًا.

مثل هذا التطور سيغير أيضًا الديناميات الداخلية في المنطقة. الجماعات الإرهابية التي تعيش على الانقسامات الطائفية ستفقد سردياتها الدعائية. وستستقر التجارة وتدفقات الطاقة والتعاون عبر الحدود تحت مظلة الدفاع المشترك. ومع ذلك، تبقى المخاطر قائمة. فالاتفاقات الدفاعية الملزمة تحمل خطر أن تتحول الحوادث الصغيرة إلى صراعات أوسع، خاصة عندما تكون القدرات النووية جزءًا من المعادلة. وستكون مساحة الخطأ في مثل هذا النظام ضيقة للغاية.

ومع ذلك، إذا انضمت إيران إلى السعودية وباكستان في هذا الاتفاق، فسيُعد ذلك من أعمق التحولات في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. وسيستبدل العداء الطائفي بمصلحة أمنية مشتركة، ويقلل من نفوذ القوى الخارجية التي طالما فرضت إرادتها على المنطقة، ويفتح المجال لاحتمال استقرار أكبر لشعوب لم تعرف سوى القليل منه خلال العقود الأخيرة. إن اتفاقية السعودية–باكستان ليست مجرد ورقة جديدة في سجلات الدبلوماسية، بل هي الفصل الأول من قصة قد تنتهي بمنطقة شرق أوسط معاد صياغتها—لا منقسمة على أسس مذهبية، بل موحدة بموجب الدفاع المشترك.

الإقليمية في حالة تحول منذ شهور، وربما يسرّع الهجوم على قطر من وتيرتها

زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران في أبريل 2025 شكّلت نقطة تحوّل في دبلوماسية المملكة الإقليمية. فللمرة الأولى منذ عقود، التقى القادة السعوديون والإيرانيون على مستوى مؤسسات الدفاع، في إشارة إلى أكثر من مجرد هدنة بين خصمين تاريخيين، بل إلى استعداد لتصور مستقبل قد يخفف من حدّة عقود من العداء. وذهبت إيران إلى حد التعبير عن استعدادها لمشاركة بعض إنجازاتها مع الرياض، وهي إشارة مليئة بالرمزية في منطقة نادرًا ما يسود فيها الثقة وكثيرًا ما يلوح شبح المواجهة. حينها، تساءل المراقبون إن كانت تلك الزيارة بداية حقبة جديدة أم مجرد استراحة تكتيكية في منافسة طويلة.

يجب النظر إلى هذا التطور في سياق الأحداث الأخيرة في المنطقة خلال الأشهر الماضية، بدءًا من الاتفاق السعودي–الإيراني الذي توسطت فيه الصين، والذي توّج بزيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران في الربيع الماضي. وقد أبرزت تلك الخطوات استعداد الرياض لتنويع شراكاتها وتقليل تعرضها لعداء مفتوح مع منافسها الإقليمي الأهم.

الجواب عن اتجاه هذه الاستراتيجية بدأ يتضح مع الإعلان عن اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وباكستان. فالصفقة تتجاوز لغة التعاون العادية: أي هجوم على إحدى الدولتين سيُعتبر هجومًا على الأخرى. وقد صرّح مسؤولون باكستانيون صراحة أن القدرات النووية لبلادهم مشمولة ضمن هذا التفاهم، وهو توسع دراماتيكي في المظلة الأمنية المتاحة للرياض. بالنسبة للسعودية، يُعد الاتفاق تحولًا عميقًا. فهو يوضح أنه رغم سعي المملكة للتقارب مع إيران، إلا أنها لا تعوّل على حسن النوايا وحده لبقائها. بل تعزز ردعها بقوة باكستان العسكرية الكاملة، بما في ذلك التهديد الضمني بالردع النووي.

معًا، يشير هذان التطوران إلى أن السعودية ترسم عقيدة أمنية أكثر مرونة وتعقيدًا من أي وقت مضى في تاريخها الحديث. فمن ناحية، تسعى إلى تهدئة التوترات مع إيران، إدراكًا منها أن العداء المستمر مع جارتها الشمالية استنزف مواردها وكشف عن مواطن ضعفها. ومن ناحية أخرى، فقد ضمنت تحالفًا متينًا مع باكستان، إحدى الدول الإسلامية القليلة التي تمتلك أسلحة نووية، والتي لطالما ربطتها علاقات وثيقة بالدولة السعودية. هذا المسار المزدوج ليس تناقضًا، بل استراتيجية. فالدبلوماسية مع إيران تقلل من خطر الحرب العرضية، بينما يعزز الاتفاق مع باكستان الردع ضد التهديدات الخارجية، سواء كانت من إسرائيل، أو من جهات غير حكومية، أو من تقلبات السياسات الدولية.

التداعيات تتجاوز بكثير الرياض وإسلام آباد. بالنسبة لطهران، وفرت زيارة أبريل طمأنة بأن السعودية لا تصطف حصرًا مع خصومها. ومع ذلك، فإن اتفاقية السعودية–باكستان تبعث أيضًا برسالة: إن التقارب مع إيران لن يترك المملكة بلا دفاع إذا تعثرت الدبلوماسية. أما بالنسبة للهند، فإن الواقع الجديد يثير القلق. فقد بنت نيودلهي علاقات اقتصادية واستراتيجية مع الرياض، لكنها لا تستطيع تجاهل أن خصمها الرئيسي، باكستان، قد نسج مظلته النووية في صلب الأمن السعودي. والولايات المتحدة أيضًا يجب أن تقرأ هذه التحركات كإشارة إلى أن دورها التقليدي كضامن نهائي لاستقرار الخليج لم يعد مضمونًا.

ما يتشكل هنا ليس مجرد انتقال من معسكر إلى آخر، بل رسم ملامح نظام أمني متعدد الأقطاب في الشرق الأوسط. السعودية ترفض أن تُحاصر في خيارات ثنائية. إنها تبني موقفًا يجمع بين الحوار والردع، المرونة والحزم، الطمأنة والاستعداد. وإذا ما أُدير هذا التوجه بحكمة، فقد يُدخل المنطقة في توازن أكثر استقرارًا، حيث تُحل النزاعات عبر الدبلوماسية وتُردع العدوانية بتهديدات موثوقة. أما إذا أُسيء فهمه، فقد يغذي عدم الثقة ويشعل دوامة من التصعيد. في كلتا الحالتين، فإن الجمع بين التقارب مع إيران والتحالف مع باكستان يمثل لحظة فاصلة: السعودية لم تعد تكتفي بدور المتلقي السلبي لضمانات الأمن. إنها الآن مهندس لبنية دفاعية جديدة قد تعيد رسم ملامح المنطقة بأسرها.

عدوى عقلية "أنا أولًا"

لأكثر من سبعين عامًا، كانت السعودية شريكًا موثوقًا للولايات المتحدة، وكانت السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة تُدار بهدوء من خلال الحكام السعوديين. استثمرت الرياض بكثافة في دول الشرق الأوسط التي اتبعت نهجها، ولوّحت بعقوبات العزلة أو الضغط الاقتصادي ضد الدول التي قاومتها. كان الاتفاق الضمني بسيطًا: تضمن السعودية تدفق النفط بأسعار مستقرة ومعقولة، بينما تقدم الولايات المتحدة للمملكة السلاح والدعم السياسي وضمانات الأمن. هذا الترتيب، الذي صمد عبر الحروب والأزمات، يبدو الآن أنه يتعرض للاهتزاز.

وتفاقم الضغط خلال الولاية الثانية لدونالد ترامب وتبنيه الصريح لعقيدة "أمريكا أولًا". فقد أوضح هذا التحول لكثير من قادة المنطقة أن التزامات واشنطن الأمنية لم تعد مضمونة، وأن الدعم الأميركي سيكون مشروطًا وليس تلقائيًا. وكما أعلنت الولايات المتحدة حقها في وضع مصالحها أولًا، بدأ حلفاؤها في الخليج بتطبيق المنطق نفسه. ما بدأ بهدوء كمحاولة لتنويع الاقتصادات، يتجلى الآن كدفع لتنويع التحالفات العسكرية. فمن خلال التحالف مع باكستان، والانفتاح على إيران، والنظر شرقًا نحو الصين، تطبق السعودية فعليًا مبدأ "نحن أولًا" في علاقاتها الخارجية. وبهذا المعنى، فقد أثبت موقف ترامب أنه معدٍ، إذ شجع الحلفاء على التفكير خارج حدود الأمن المتمحور حول الولايات المتحدة، وبناء شبكات مرنة تخدم أولوياتهم الخاصة. إن هذه العدوى من التفكير الذاتي هي إحدى القوى الخفية التي تدفع التحول الإقليمي والعالمي المتمركز حاليًا في الخليج.

ما يتشكل هنا ليس مجرد انتقال من معسكر إلى آخر، بل رسم ملامح نظام أمني متعدد الأقطاب في الشرق الأوسط. السعودية ترفض أن تُحاصر في خيارات ثنائية. إنها تبني موقفًا يجمع بين الحوار والردع، المرونة والحزم، الطمأنة والاستعداد. وإذا ما أُدير هذا التوجه بحكمة، فقد يُدخل المنطقة في توازن أكثر استقرارًا، حيث تُحل النزاعات عبر الدبلوماسية وتُردع العدوانية بتهديدات موثوقة. أما إذا أُسيء فهمه، فقد يغذي عدم الثقة ويشعل دوامة من التصعيد. في كلتا الحالتين، فإن الجمع بين التقارب مع إيران والتحالف مع باكستان يمثل لحظة فاصلة: السعودية لم تعد تكتفي بدور المتلقي السلبي لضمانات الأمن. إنها الآن مهندس لبنية دفاعية جديدة قد تعيد رسم ملامح المنطقة بأسرها.

الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

غارة جوية إسرائيلية على الدوحة تثير إدانة عالمية وزلزالاً إقليمياً

    سبتمبر 10, 2025   No comments

الدوحة، قطر – في تصعيد دراماتيكي وغير مسبوق هزّ الشرق الأوسط والعالم، شنّت إسرائيل أمس ضربة عسكرية على العاصمة القطرية الدوحة، مستهدفة وقتلت قادة بارزين من حركة حماس. وقد اعتُبرت هذه الضربة، التي انتهكت أجواء عدة دول ذات سيادة، خرقاً صارخاً للقانون الدولي وألحقت ضرراً بالغاً بالجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب في غزة، بما قد يشير إلى إعادة اصطفاف كبرى في ميزان القوى العالمي بالمنطقة.


العملية التي أطلق عليها الجيش الإسرائيلي اسم "قمة النار"، شهدت تحليق طائرات حربية لمسافة تقارب 1800 كيلومتر للوصول إلى الدوحة. وبحسب تقارير إعلامية عربية، اخترقت الطائرات الإسرائيلية أجواء الأردن والسعودية والعراق وسوريا للوصول إلى هدفها. وعند وصولها إلى العاصمة القطرية، أطلقت الصواريخ على مجمّع سكني يضم أعضاء من المكتب السياسي لحركة حماس الذين كانوا في البلاد للمشاركة في محادثات. كما أفيد بمقتل مسؤول أمني قطري في الهجوم.

ويرى كثير من المراقبين أن توقيت الضربة بالغ الأهمية، إذ جاء بعد يوم واحد فقط من إعلان الرئيس الأميركي مقترحاً جديداً لوقف إطلاق النار في غزة، حاثّاً حماس على قبوله أو "مواجهة العواقب". ومع وجود قيادات حماس في الدوحة – التي لعبت دور الوسيط الرئيسي في النزاع – لمناقشة المقترح، اتهمت أطراف عديدة إسرائيل بنصب "فخ" هدفه القضاء على قيادة الحركة دفعة واحدة.

وقال دبلوماسيون: "هذا يوحي بأن الأمر ربما كان فخاً لقتل جميع قيادات حماس، وهو ما يدمّر مصداقية الولايات المتحدة كوسيط نزيه للسلام". وقد وضع الحادث واشنطن في موقف حرج للغاية، مثيراً تساؤلات جدية حول علمها المسبق ودورها في العملية.

وتعمّق الأزمة سؤالٌ أكثر خطورة: ماذا عن الوجود العسكري الأميركي الضخم في قطر؟ فقاعدة العديد الجوية، أكبر منشأة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، تضم أنظمة دفاع متطورة. لكن فشل هذه الأنظمة في اعتراض الطائرات الإسرائيلية أو حتى تحذير قطر مسبقاً أثار أزمة ثقة عميقة في الدوحة.

وقال مراقبون: "عدم استخدام الولايات المتحدة لهذه الموارد الدفاعية لحماية قطر أو حتى تحذيرها، يعني أن الوجود الأميركي في قطر بلا جدوى ولا يوفّر أي حماية". هذا الشعور أكدته واشنطن ضمنياً عندما أعلن الرئيس أنه أمر وزارة الخارجية بتوقيع اتفاق دفاعي استراتيجي جديد مع قطر، في خطوة فسّرها كثيرون بأنها محاولة لاحتواء الضرر الذي أصاب التحالف.

الانعكاسات الاستراتيجية بدت فورية. فقد سارعت روسيا والصين إلى إدانة الهجوم بشدة، محذّرتين من تصعيد خطير، واتهمتا إسرائيل بتخريب مفاوضات السلام عن عمد. ويشير محللون إلى أن قطر، التي باتت تشكك في قيمة مظلة الحماية الأميركية، قد تتجه بسرعة نحو موسكو وبكين للحصول على أنظمة دفاع متقدمة، وهو ما قد يغيّر جذرياً معادلة الأمن في الخليج ويهدد بإنهاء الوجود العسكري الأميركي في قطر.

كما أضرّ الهجوم بعلاقات مجلس التعاون الخليجي الذي يَعِد أعضاؤه بالأمن الجماعي. فبانتهاك إسرائيل لأجواء السعودية – العضو في المجلس – من أجل ضرب عضو آخر، وضعت هذه الدول المتحالفة مع واشنطن في موقف بالغ الحرج، مجبرة إياها على مواجهة انتهاك صارخ لسيادتها.

موجة استنكار عالمي

جاءت ردود الفعل الدولية سريعة وحادة:

  • الأمم المتحدة: الأمين العام أنطونيو غوتيريش أدان الهجوم "دون أي لبس"، واصفاً إياه بأنه "انتهاك صارخ لسيادة قطر" وضربة للجهود الوساطية.

  • روسيا: وزارة الخارجية قالت إن الهدف من الهجوم هو "تقويض الجهود الدولية للتوصل إلى تسوية سلمية في الشرق الأوسط".

  • الصين: أعربت عن "استياء شديد من التخريب المتعمد لمفاوضات وقف إطلاق النار في غزة"، وحثت الدول الكبرى على لعب دور "بناء في تهدئة التوترات الإقليمية".

  • الاتحاد الأوروبي: وصف الضربة بأنها "انتهاك للقانون الدولي" و"تهديد خطير قد يزيد من تفاقم العنف في المنطقة".

  • تركيا: الرئيس رجب طيب أردوغان ندد بـ"حكومة نتنياهو المتهورة" وتحميلها مسؤولية التصعيد.

  • منظمة التعاون الإسلامي: أدانت العدوان "بأشد العبارات".

أما قطر فأصدرت بياناً غاضباً أكدت فيه أنها "لن تتسامح مع هذا السلوك الإسرائيلي المتهور"، مشددة على أن "الاعتداء الإجرامي انتهاك لكل القوانين الدولية وتهديد خطير لأمن وسلامة المواطنين والمقيمين".

تمثل هذه الضربة فصلاً خطيراً جديداً في حرب غزة، إذ نقلت ساحة المعركة إلى قلب عاصمة وسيط محايد، ما يهدد بإشعال حرب إقليمية أوسع. ولم تستهدف قيادة حماس فحسب، بل أضعفت أيضاً مكانة الولايات المتحدة كحليف أمني ووسيط سلام، فاتحة الباب أمام روسيا والصين لملء الفراغ.

الأربعاء، 4 يونيو 2025

موضع ایران درباره غنی‌سازی اورانیوم — نقطه عطف یا بن‌بست در مذاکرات با ایالات متحده؟

    يونيو 04, 2025   No comments

اظهارنظر اخیر رهبر عالی ایران که غنی‌سازی اورانیوم را «حقی غیرقابل مذاکره» خواند، مرز روشنی را ترسیم کرده است. این موضع، معضل بنیادی در مذاکرات هسته‌ای ایران و ایالات متحده را آشکار می‌سازد: یا آمریکا حق حاکمیتی ایران در غنی‌سازی اورانیوم برای اهداف صلح‌آمیز را به رسمیت می‌شناسد — که می‌تواند واقع‌گرایی جدیدی به دیپلماسی ببخشد و موفقیت آن را ممکن سازد — یا این حق را رد می‌کند و خطر فروپاشی مذاکرات در سایه‌ی آنچه دورویی تلقی می‌شود، افزایش می‌یابد.


منطق ایران مبتنی بر حاکمیت ملی و امنیت راهبردی است. به گفته رهبر ایران، انکار توانایی غنی‌سازی برای ایران در حالی که به سایر کشورها اجازه داده می‌شود، همچون منع یک کشور از پالایش نفت خود است. این تشبیه قابل توجه است؛ چرا که اگر کشوری منابع خام در اختیار داشته باشد اما از فرآوری آن‌ها منع شود، وابستگی دائمی به قدرت‌های خارجی پیدا می‌کند — امری که زیرساخت انرژی، اقتصاد و امنیت آن را تهدید می‌کند.


ایالات متحده و متحدانش به‌طور تاریخی به توانایی غنی‌سازی با دیده تردید نگریسته‌اند، زیرا این فناوری دارای کاربرد دوگانه است؛ همان فناوری که می‌تواند سوخت نیروگاه‌ها را تأمین کند، با غنی‌سازی بیشتر، می‌تواند ماده لازم برای تولید سلاح هسته‌ای فراهم آورد. با این حال، این تردید به تنهایی دیگر نمی‌تواند مبنایی مشروع برای سلب حقوق غنی‌سازی باشد؛ به‌ویژه در شرایطی که کشورهای بیشتری — از جمله متحدان آمریکا مانند عربستان سعودی — آشکارا به دنبال برنامه‌های هسته‌ای بومی هستند و خواهان حق غنی‌سازی نیز شده‌اند.


افزون بر این، زمینه جهانی تغییر کرده است. با روی آوردن کشورها، از جمله ایالات متحده، به انرژی هسته‌ای به‌عنوان منبعی پاک و قابل‌اعتماد در مقابله با تغییرات اقلیمی، اورانیوم غنی‌شده دیگر صرفاً یک منافع ملی نیست بلکه به مسئله‌ای جهانی بدل شده است. شرکت‌های فعال در حوزه هوش مصنوعی، مراکز داده، و صنایع پیشرفته تکنولوژی، نیاز روزافزونی به انرژی دارند و انرژی هسته‌ای هرچه بیشتر به‌عنوان راه‌حلی بلندمدت پذیرفته می‌شود. این روند استدلال را تقویت می‌کند که توانایی غنی‌سازی ذاتاً بی‌ثبات‌کننده نیست — بلکه به‌طور فزاینده‌ای برای زیرساخت‌های مدرن ضروری است.


این تغییر جهانی به‌سوی انرژی هسته‌ای صرفاً یک گمان نیست؛ بلکه در عمل در حال وقوع است. فهرست کشورها و شرکت‌هایی که سرمایه‌گذاری گسترده‌ای در زیرساخت هسته‌ای، از جمله توانایی‌های غنی‌سازی، انجام می‌دهند، در حال افزایش است. ایالات متحده، تحت فشار نیازهای انرژی ناشی از توسعه هوش مصنوعی و ملاحظات امنیت ملی، ابتکار بزرگی برای گسترش انرژی هسته‌ای راه‌اندازی کرده و قصد دارد ظرفیت خود را تا سال ۲۰۵۰ چهار برابر کند. شرکت‌های بزرگ فناوری مانند "متا" و "مایکروسافت" نیز به‌طور مستقیم درگیر شده‌اند؛ متا اخیراً قرارداد ۲۰ ساله‌ای با تأمین‌کننده انرژی هسته‌ای آمریکایی برای تأمین انرژی مورد نیاز پروژه‌های هوش مصنوعی خود امضا کرده و مایکروسافت نیز از توسعه رآکتورهای کوچک ماژولار برای مراکز داده آینده پشتیبانی می‌کند. بریتانیا پروژه‌های جدیدی مانند "هینکلی پوینت سی" و "سایزول سی" را پیش می‌برد، لهستان نخستین نیروگاه هسته‌ای تجاری خود را با همکاری وستینگهاوس می‌سازد، و آفریقای جنوبی، قزاقستان و حتی عربستان سعودی نیز در حال اجرای برنامه‌های توسعه هسته‌ای هستند. بسیاری از این پروژه‌ها شامل غنی‌سازی بالاتر از سطح ۳.۵٪ هستند — سطحی که در رآکتورهای اولیه استفاده می‌شود — که نزدیک به سطحی است که ایران نیز به‌ویژه برای تولید رادیوایزوتوپ‌های پزشکی و رآکتورهای تحقیقاتی به آن نیاز داشته است (که معمولاً به غنی‌سازی ۲۰٪ نیاز دارند). پذیرش گسترده این نیازها در میان متحدان آمریکا و بخش خصوصی، نشان‌دهنده‌ی تناقضی بنیادین است: رد حق ایران در حالی که دیگران آزادانه از آن بهره می‌برند، روز‌به‌روز غیرقابل دفاع‌تر به نظر می‌رسد، به‌ویژه زمانی که در چارچوب اهداف صلح‌آمیز و درمانی ارائه می‌شود.


رهبر ایران همچنین به تجربه‌ای پیشین اشاره کرد که بی‌اعتمادی ایران به تعهدات غربی را تقویت می‌کند. شکست طرح تبادل سوخت در دهه ۱۳۸۰ (۲۰۰۰ میلادی)، که طی آن ایران موافقت کرد اورانیوم با غنای پایین خود را با سوخت غنی‌تر مبادله کند اما پس از خروج غرب، نتیجه‌ای نگرفت، مثالی است از اینکه چرا ایران بر خودکفایی اصرار می‌ورزد. در این چارچوب، پافشاری بر غنی‌سازی نه‌تنها راهبردی بلکه ماهیتی و حیاتی تلقی می‌شود.


اکنون ایالات متحده در برابر انتخابی سرنوشت‌ساز قرار دارد. می‌تواند حق ایران در غنی‌سازی را بر اساس معاهده منع گسترش سلاح‌های هسته‌ای (NPT) — که به‌صراحت غنی‌سازی را ممنوع نمی‌کند، بلکه خواهان اعمال نظارت و بازرسی است — به رسمیت بشناسد و به‌جای منع، بر شفافیت و راستی‌آزمایی تمرکز کند. این مسیر می‌تواند نیازهای مشروع انرژی ایران را تأیید کند، از تنش‌ها بکاهد و محیطی برای شکوفایی دیپلماسی فراهم آورد. همچنین می‌تواند الگویی برای نظامی جهانی منصفانه‌تر و مبتنی بر قوانین در حوزه انرژی هسته‌ای ارائه دهد.


از سوی دیگر، ایالات متحده می‌تواند همچنان به مخالفت قاطعانه با غنی‌سازی ادامه دهد و آن را خطری برای اشاعه تسلیحات هسته‌ای قلمداد کند. اما چنین رویکردی در حالی که برنامه‌های غنی‌سازی در کشورهای دیگر (مانند عربستان یا ژاپن) را می‌پذیرد یا حتی حمایت می‌کند، مشروعیت اخلاقی موضع واشنگتن را تضعیف کرده و آن را در معرض اتهام به استانداردهای دوگانه ژئوپلیتیکی قرار می‌دهد. اگر غنی‌سازی در ایران تهدید محسوب می‌شود، باید در سایر کشورها نیز تهدید تلقی شود. در غیر این صورت، موضع آمریکا بیشتر به راهبرد مهار ایران شباهت خواهد داشت تا پایبندی اصولی به عدم اشاعه.


اظهارنظر اخیر ایران ممکن است به‌راستی نقطه عطفی باشد. اگر ایالات متحده روند بین‌المللی گسترده‌تری را که در آن انرژی هسته‌ای دیگر تجمل نیست بلکه یک ضرورت است، به رسمیت بشناسد و تصمیم به تعامل با ایران بر پایه شفافیت بگیرد، مذاکرات می‌تواند شتاب گیرد و به نتیجه برسد. اما اگر ایالات متحده همچنان از به رسمیت شناختن حق ایران برای غنی‌سازی خودداری کند، در حالی که این حق را به دیگران اعطا می‌کند، خطر نابودی دیپلماسی و تثبیت آینده‌ای مبتنی بر بی‌اعتمادی را افزایش می‌دهد. در نهایت، اصرار ایران بر غنی‌سازی، ایالات متحده را وادار به انتخابی اساسی می‌کند: پذیرش دیپلماسی انرژی واقع‌گرایانه و منسجم، یا پافشاری بر معیارهایی که دیگر با واقعیت هسته‌ای جهان هم‌خوانی ندارد.

موقف إيران من تخصيب اليورانيوم — نقطة تحول أم طريق مسدود في المفاوضات مع الولايات المتحدة؟

    يونيو 04, 2025   No comments


أثار التصريح الأخير للمرشد الأعلى الإيراني، الذي أكد فيه أن تخصيب اليورانيوم "حق غير قابل للتفاوض"، جدلاً كبيراً، ورسم خطاً واضحاً في الرمال. فقد كشف هذا الموقف عن المعضلة الأساسية التي تواجه مفاوضات الملف النووي بين الولايات المتحدة وإيران: إما أن تعترف الولايات المتحدة بحق إيران السيادي في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية — مما قد يُضفي على الجهود الدبلوماسية طابعاً من الواقعية ويمنحها فرصة للنجاح — أو ترفض هذا الحق، مخاطِرة بانهيار المفاوضات تحت وطأة ما يُنظر إليه على أنه نفاق سياسي.

المنطق الإيراني ينبع من مفهومي السيادة الوطنية والأمن الاستراتيجي. فقد شبّه المرشد الإيراني منع بلاده من تخصيب اليورانيوم مع السماح لدول أخرى بذلك، بمنع دولة من تكرير نفطها الخاص. وهذا التشبيه يحمل وجهاً من المنطق؛ إذ إن حرمان دولة من معالجة مواردها الخام يُبقيها في حالة تبعية دائمة للقوى الخارجية، مما يعرض بنيتها التحتية للطاقة واقتصادها وأمنها للخطر.

لطالما نظرت الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى قدرات التخصيب بعين الريبة، نظراً لإمكانية الاستخدام المزدوج؛ فالتقنية ذاتها التي تُستخدم في تشغيل محطات الطاقة النووية يمكن، عبر مراحل إضافية من التخصيب، أن تُنتج مواد صالحة للأسلحة النووية. إلا أن هذا الشك وحده لم يعد مبرراً كافياً لرفض حقوق التخصيب، خصوصاً في وقت تسعى فيه دول عديدة — بما في ذلك حلفاء للولايات المتحدة كالسعودية — لتطوير برامج نووية محلية تطالب فيها بحق التخصيب أيضاً.

علاوة على ذلك، فإن السياق العالمي قد تغيّر. فمع توجه الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، نحو الطاقة النووية كمصدر نظيف وموثوق للطاقة في مواجهة تغيّر المناخ، لم يعد اليورانيوم المخصب مجرد مصلحة وطنية، بل أصبح مصلحة عالمية. فشركات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات التقنية المتقدمة تولّد طلباً هائلاً على الطاقة، ويتم تبنّي الطاقة النووية بشكل متزايد كحل طويل الأمد. هذا الاتجاه يعزز الحجة القائلة بأن التخصيب ليس في حد ذاته مصدراً لعدم الاستقرار، بل هو حاجة ضرورية للبنية التحتية الحديثة.

وهذا التحول نحو الطاقة النووية ليس مجرد نظرية؛ بل هو واقع قائم. إذ تستثمر دول وشركات كثيرة في البنية التحتية النووية، بما يشمل قدرات التخصيب. وقد أطلقت الولايات المتحدة، مدفوعةً بحاجات الذكاء الاصطناعي ومتطلبات الأمن القومي، مبادرة كبرى لتوسيع الطاقة النووية بهدف مضاعفة قدرتها أربع مرات بحلول عام 2050. وقد دخلت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل "ميتا" و"مايكروسوفت" على الخط؛ حيث وقّعت "ميتا" اتفاقاً لمدة 20 عاماً مع مزود للطاقة النووية في الولايات المتحدة لتأمين الطاقة لمشروعاتها في الذكاء الاصطناعي، بينما تدعم "مايكروسوفت" تطوير مفاعلات صغيرة مخصصة لمراكز البيانات المستقبلية. في المملكة المتحدة، يجري العمل على مشروعات مثل "هينكلي بوينت سي" و"سايزويل سي"، وتبني بولندا أول محطة نووية تجارية بالشراكة مع "وستينغهاوس"، وتسير جنوب إفريقيا وكازاخستان والمملكة العربية السعودية أيضاً نحو توسيع الطاقة النووية. ومن اللافت أن العديد من هذه المشاريع تشمل، أو ستتطلب، تخصيب اليورانيوم بنسبة تفوق 3.5%، وهي النسبة المعتادة في المفاعلات الأساسية — وهذه نسب قريبة مما سعت إليه إيران، لا سيما لتلبية احتياجات طبية أو بحثية تتطلب تخصيباً بنسبة 20%. إن تقبّل هذا المستوى من التخصيب بين حلفاء الولايات المتحدة والقطاع الخاص يُبرز التناقض الواضح: فرفض منح إيران نفس الحقوق التي تُمارسها دول أخرى بشكل علني يبدو أمراً متزايد الصعوبة، خاصة عندما يُقدَّم في إطار الأغراض السلمية والطبية.


وقد أشار القائد الإيراني إلى تجربة سابقة تُعزز من شكوك بلاده تجاه التزامات الغرب، وهي صفقة تبادل الوقود التي انهارت في العقد الأول من القرن الحالي، حين وافقت إيران على مبادلة اليورانيوم منخفض التخصيب بوقود مخصب بدرجة أعلى، لكنها تُركت دون مقابل بعد انسحاب الغرب من الاتفاق. وهذه التجربة تُفسر سبب إصرار إيران على الاكتفاء الذاتي، وتجعل من رفضها التخلي عن التخصيب خياراً وجودياً، وليس فقط استراتيجياً.


الولايات المتحدة الآن أمام مفترق طرق حاسم. بإمكانها الاعتراف بحق إيران في التخصيب وفق معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT) — التي لا تحظر التخصيب صراحة، لكنها تشترط وجود رقابة وتفتيش — والسعي نحو الشفافية والتحقق بدلاً من المنع. هذا النهج من شأنه أن يُضفي شرعية على احتياجات إيران الطاقية، ويُخفف التوترات، ويُهيئ بيئة مواتية للدبلوماسية. كما يمكن أن يُشكّل نموذجاً لنظام عالمي أكثر عدالة وشفافية في مجال الطاقة النووية.


أما الخيار الآخر، فهو استمرار الولايات المتحدة في معارضة التخصيب بشكل مطلق، واعتباره تهديداً للانتشار النووي. غير أن القيام بذلك، في الوقت الذي تُساند فيه برامج تخصيب في دول أخرى (مثل السعودية أو اليابان)، يُقوّض الموقف الأخلاقي لواشنطن، ويفتح المجال لاتهامات بالكيل بمكيالين. فإذا كان التخصيب تهديداً في إيران، فيجب اعتباره تهديداً في أماكن أخرى أيضاً. وإلا، فإن الموقف الأميركي سيبدو وكأنه محاولة لاحتواء إيران استراتيجياً، لا التزاماً مبدئياً بعدم الانتشار.


قد يُشكّل التصريح الإيراني الأخير نقطة انعطاف حقيقية. فإذا اعترفت الولايات المتحدة بالتحوّل العالمي الأوسع — حيث لم تعد الطاقة النووية ترفاً بل ضرورة — وقررت التعامل مع إيران على أساس الشفافية بدلاً من النفي، فقد تتسارع المفاوضات وتُحقق تقدماً. أما إذا استمرت في رفض الاعتراف بحق إيران في التخصيب، بينما تُتيح ذلك للآخرين، فإنها تُخاطر بوأد الدبلوماسية وترسيخ مستقبل يسوده انعدام الثقة. في نهاية المطاف، يُجبر إصرار إيران على التخصيب الولايات المتحدة على اتخاذ قرار مصيري: إما تبني دبلوماسية طاقية واقعية ومتسقة، أو التمسك بمعايير متقادمة لم تعد تعكس الواقع النووي العالمي.


الأحد، 23 مارس 2025

تركيا في أزمة: الاعتقال المدفوع بالسياسة لعمدة إسطنبول

    مارس 23, 2025   No comments

لقد أُدخل المشهد السياسي في تركيا في حالة من الاضطراب بعد الاعتقال الأخير لأكرم إمام أوغلو، العمدة الشعبي لإسطنبول. تم احتجاز إمام أوغلو، وهو عضو في حزب الشعب الجمهوري المعارض، بتهم فساد في خطوة يراها الكثيرون مدفوعة بالسياسة.

صدر أمر الاعتقال عن قاضٍ في إسطنبول، وسط موجة من الاحتجاجات الواسعة في جميع أنحاء تركيا التي تدين احتجاز إمام أوغلو. تم اتهام العمدة بـ "مخالفات" في تعامله مع عقود بلدية و"دعاية إرهابية" - وهي تهم يعتبرها مؤيدوه محاولات مفبركة لإزالة خصم سياسي قوي من حزب الرئيس رجب طيب أردوغان الحاكم.

بدأت هذه الجدل الأسبوع الماضي عندما أوقفت وزارة الداخلية التركية إمام أوغلو من منصبه كعمدة لإسطنبول، إلى جانب عمدة منطقتين أخريين في إسطنبول. تم اتخاذ هذا الإجراء بموجب المادة 127 من الدستور التركي، التي تسمح بإزالة مؤقتة للمسؤولين المنتخبين الذين يواجهون تحقيقات جنائية.

ردًا على ذلك، اجتمع مجلس مدينة إسطنبول في جلسة طارئة وانتخب عمدة مؤقت ليملأ دور إمام أوغلو. ومع ذلك، رفض إمام أوغلو التراجع، واصفًا هذه الخطوة بأنها "هجوم على الديمقراطية"، داعيًا جميع المواطنين الأتراك البالغ عددهم 86 مليونًا إلى "ملء صناديق الاقتراع ورفع أصواتهم ضد الظلم".

أدى اعتقال إمام أوغلو إلى إشعال موجة من الغضب العام التي تجاوزت فقط مؤيديه. اندلعت الاحتجاجات في أكثر من ثلثي محافظات تركيا الـ81، حيث عبر المتظاهرون - بما في ذلك العديد من الشباب غير المهتمين بالسياسة وطلاب الجامعات - عن استيائهم مما يرونه إساءة واضحة من الحكومة للسلطة.


تكمن الأهمية الأوسع لهذه الأزمة في العواقب المحتملة طويلة الأجل على الديمقراطية التركية. كان يُنظر إلى إمام أوغلو على أنه نجم سياسي صاعد وخصم قوي لهيمنة أردوغان. يبدو أن احتجازه محاولة من الرئيس وحزبه للقضاء على تهديد انتخابي قوي قبيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية العام المقبل.

تظل نتائج هذه الأزمة غير مؤكدة للغاية. تعهد مؤيدو إمام أوغلو بمواصلة احتجاجاتهم، مما يثير شبح الاضطراب المدني المستمر. من جانبها، أشارت الحكومة إلى نيتها المضي قدماً في الادعاء، مما قد يؤدي إلى معركة قانونية طويلة.

في النهاية، يتوقف مصير أكرم إمام أوغلو ومستقبل الديمقراطية الهشة في تركيا على المحك. لقد كشفت هذه الأزمة عن الانقسامات العميقة وصراعات السلطة داخل البلاد، وستكون لها عواقب عميقة على مسار تركيا السياسي في السنوات القادمة.

الثلاثاء، 18 مارس 2025

اكتشاف الضوء الفائق الصلابة وتطبيقاته العملية

    مارس 18, 2025   No comments

 لأول مرة في التاريخ، نجح العلماء في تحويل الضوء إلى مادة فائقة الصلابة—وهي حالة متناقضة من المادة تجمع بين الصلابة الهيكلية للمادة الصلبة والتدفق عديم الاحتكاك للسائل الفائق. يشكل هذا الإنجاز، الذي قاده باحثون في معهد CNR Nanotec في إيطاليا، علامة فارقة في فيزياء الكم، مما يتيح فرصًا جديدة للبحث الأساسي والتطبيقات التكنولوجية.

فهم المواد فائقة الصلابة


عادةً ما توجد المادة في واحدة من الحالات الأربع المعروفة: الصلبة أو السائلة أو الغازية أو البلازمية. ومع ذلك، عند درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق، تقدم ميكانيكا الكم حالات جديدة وغريبة من المادة. ومن بين هذه الحالات "المادة فائقة الصلابة"، التي تم التنبؤ بها نظريًا في الستينيات وتم تأكيدها تجريبيًا في عام 2017 باستخدام غازات ذرية شديدة البرودة. تتميز المواد فائقة الصلابة ببنية بلورية منظمة مع تدفق عديم الاحتكاك، وهي خاصية عادة ما ترتبط بالسوائل الفائقة.

تقليديًا، كان تكوين المواد فائقة الصلابة يتطلب تفاعلات ذرية دقيقة ودرجات حرارة منخفضة للغاية، مما جعل دراستها صعبة للغاية. ولكن الاكتشاف الأخير لإمكانية إظهار الضوء نفسه لسلوك فائق الصلابة يوفر نهجًا أكثر سهولة وقابلية للتوسع لدراسة هذه الظاهرة الكمومية.

كيف نجح العلماء في إنشاء مادة فائقة الصلابة من الضوء

حقق الباحثون هذا الإنجاز باستخدام منصة شبه موصلة مكونة من زرنيخيد الغاليوم. من خلال تسليط ضوء الليزر على هذه المادة، قاموا بتوليد "البولاريتونات"—وهي جسيمات شبه أولية ناتجة عن تفاعل الفوتونات (الضوء) مع الإثارات الإلكترونية (أزواج الإلكترون-الفجوة). تكثفت هذه البولاريتونات إلى حالة فائقة الصلابة، مشكِّلة بنية منظمة مع الحفاظ على الحركة السائلة.

أظهرت التجربة أنه عند دخول الفوتونات إلى النظام، تصرفت في البداية بشكل غير مترابط. ولكن مع إضافة المزيد من الفوتونات، بدأت في تكوين "تكاثف بوز-أينشتاين" (BEC)، وهي حالة كمومية حيث تشغل عدة جسيمات أدنى مستوى طاقة. من خلال عملية تُعرف باسم التبعثر البارامتري، تشكلت تكاثفات فرعية مرتبة، مما أكد أن الفوتونات قد تبنّت حالة فائقة الصلابة.

تأكيد الحالة فائقة الصلابة

للتحقق من أن المادة المتكونة حديثًا كانت بالفعل فائقة الصلابة، درس العلماء خاصيتين رئيسيتين: هيكلها المكاني الدوري وتدفقها عديم الاحتكاك. أكدت الملاحظات أن الفوتونات نظمت نفسها في نمط شبكي متكرر، وهو سمة مميزة للمادة الصلبة، بينما احتفظت بقدرتها على التدفق دون مقاومة، مثل السائل الفائق. وهذا يوفر دليلًا قاطعًا على تحقيق حالة فائقة الصلابة باستخدام الضوء.

التطبيقات العلمية والتكنولوجية

يتيح إنشاء مادة فائقة الصلابة من الضوء آفاقًا جديدة مثيرة في كل من الفيزياء الأساسية والتكنولوجيا التطبيقية. من بين أبرز التطبيقات المحتملة:

  1. الحوسبة الكمومية ومعالجة المعلومات: توفر المواد فائقة الصلابة منصة فريدة لمعالجة الحالات الكمومية، مما قد يؤدي إلى تقدم في الحوسبة الكمومية. يمكن تطوير بتات كمومية (كيوبتات) أكثر استقرارًا وكفاءة باستخدام هذا الشكل الجديد من المادة.

  2. الأجهزة البصرية والفوتونية المتقدمة: نظرًا لأن الضوء عنصر أساسي في تقنيات الاتصالات والبصريات الحديثة، فإن التحكم فيه في حالة فائقة الصلابة قد يؤدي إلى تحسينات في معالجة الإشارات الضوئية وتكنولوجيا الليزر والأجهزة الفوتونية من الجيل القادم.

  3. الموصلات الفائقة والمواد عديمة الاحتكاك: قد يلهم التدفق عديم الاحتكاك الذي لوحظ في المواد فائقة الصلابة تطوير مواد جديدة ذات مقاومة صفرية، مما يحسن كفاءة الطاقة في الأنظمة الإلكترونية ووسائل النقل.

  4. القياس والاستشعار عالي الدقة: تتميز المواد فائقة الصلابة بحساسيتها العالية للمؤثرات الخارجية، مما يجعلها مرشحة مثالية لأجهزة الاستشعار عالية الدقة في مجالات مثل الفيزياء الفلكية، وتقنيات النانو، والتشخيص الطبي.


إن اكتشاف إمكانية تحويل الضوء إلى مادة فائقة الصلابة يمثل قفزة كبيرة في فهمنا لميكانيكا الكم ويفتح أبوابًا لتقنيات مبتكرة. من خلال تبسيط دراسة المواد فائقة الصلابة وإزالة الحاجة إلى الغازات الذرية شديدة البرودة، يضع هذا الاكتشاف الأساس لتطبيقات عملية يمكن أن تحدث ثورة في الحوسبة الكمومية والأنظمة البصرية وعلوم المواد. ومع استمرار الباحثين في استكشاف إمكانيات المواد الفوتونية فائقة الصلابة، قد نكشف عن رؤى أكثر عمقًا حول الطبيعة الأساسية للمادة والطاقة.


ابحث عن مقالات مثل التي قرأت

Advertise Here

المقالات الأكثر قراءة

_____________________________________________________
حقوق التأليف والنشر © مراجعات. جميع الحقوق محفوظة.