السبت، 6 أغسطس 2022

الدين والدولة والدستور: مقاصد الإسلام أم مقاصد السّاسة ؟

    أغسطس 06, 2022   No comments

بقلم: عبد اللّطيف الهرماسي


تعيش تونس منذ 25 جويلية 2022 لحظة تاريخيّة حرجة وقلقة، لحظة اهتزّت فيها المنظومة التي هيمنت على مقدّرات البلاد منذ حدث «الثورة» بفعل صعود قوى أنتجها فشل هذه المنظومة وعجزها لا عن الاستجابة لتطلّعات الشّباب المنتفض وحسب، بل حتى عن الحفاظ على مستوى النّمو والرّفاه، المحدود لا محالة، الذي تحقّق على عهد السابع من نوفمبر. ليس أدلّ على هذه الخيبة من عودة الحياة للمنظومة التّجمعيّة في صيغتها الصلبة على يد الحزب الدستوري الحرّ وزعيمته عبير موسى التي ترفض الاعتراف بشرعيّة الثورة أصلا وتريد العودة إلى استئصال الإسلام السياسي، ولا أدلّ عليها أيضا من صعود التيار الشعبوي بقيادة قيس سعيد الرّافض للاعتراف بنتائج 14 جانفي، معتبرا ما حصل أثناءه وإثره خيانة لآمال ورمزيّة 17 ديسمبر.


فهذا المثقّف والحقوقي اللاّنمطي، الطّارئ على الساحة السياسيّة، أصبح منذ 15 جويلية يمثل مركز استقطاب لولاء شعبي واسع وجذب لمكوّنات سياسيّة متنافرة ولا تجمع بينها سوى كراهيّتها للمنظومة التي أدارت البلاد وخاصّة النّقمة على حركة النهضة وتحميلها المسؤوليّة عن تردّي الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة وسوء أداء المؤسّسات السياسيّة خلال العشريّة المنقضية، بل وصل الأمر حدّ اعتبار دستور 2014 سببا في انحراف مسار الانتقال الدّيمقراطي والانسداد السياسي وعدم الفاعليّة. ضمن هذا السياق وإثر تجميد البرلمان وتعيين حكومة جديدة تتالت قرارات الرّئيس بدءا بمرسوم 22 ديسمبر المنظم للحالة الاستثنائيّة والمعطّل لأغلب أبواب دستور 2014 وانتهاءً بإعلان دستور 30 جوان 2022. ولئن تعدّدت المآخذ على ما يُراد له أن يكون دستور «الجمهوريّة الجديدة»، فإنّ أبرزها يدور بصورة أو بأخرى حول مكانة الدّين في تنظيم الدّولة وفي مشروع المجتمع الذي يدافع عنه كلّ طرف، وبالتّبعيّة حول مكانة الدّين في الدّستور المقترح. ومن أجل فهم أفضل لرهانات هذا الجدل ومفرداته، وهو الذي لم يخلُ من تلاعب بالمصطلحات وبالذّاكرة التاريخيّة، يكون من المفيد الابتداء بوضعه ضمن السياق التاريخي ومسار العلاقة بين الدّين والسياسة والدّين والدّولة في تونس منذ الاستقلال، قبل أن نأتي إلى المشهد السياسي والإيديولوجي الرّاهن بما يعرفه من تقلّبات وما يطرحه من قضايا ذات صلة.


1 - ستّون سنة من استقرار العلاقة بين الدّولة والدّين واهتزازها بين الدّين والسياسة


تسمح المقاربة السوسيولوجيّة التاريخيّة بتلمّس ست لحظات متميّزة في تاريخ الصّراع حول إشكال الدّين والدّولة، تنقسم إلى ثلاث سابقة للثورة وثلاث لاحقة عليها. بالنّسبة لمرحلة ما قبل الثورة يمكن برأينا التّمييز بين:


• لحظة سيطرة النّخبة المبشّرة بالحداثة ودولنة الدّين.


• لحظة استراحة العلمانيّة المكافحة والتي تزامنت مع انفتاح مجال النّشاط أمام الجماعة الإسلاميّة.


• لحظة تؤتّر العلاقة مع «الإسلام السياسي» والتي تجسّدت في تصاعد المواجهة مع حركة النهضة ووضع المؤسّسة الدّينيّة في خدمة نظام بن علي.


تحتلّ اللّحظة الأولى مكانة ممتازة على أكثر من صعيد، ففي ظلّ الإصلاحيّة البالغة الحذر والاحتشام للعلماء أفتك الزعيم السياسي ممثّلا في بورقيبة زمام الإصلاح والتحديث الدّيني وبرّر سيطرة الدّولة على الدّين بضرورات التنمية. لقد تعاطت نخبة الدّولة الوطنيّة مع منظومة الشّريعة والمؤسّسات الإسلاميّة من خلال نقد صارم لهذا الموروث وإعادة النّظر فيه بالاجتهاد الجريئ وحتى بتجاوزه والقطع معه كما حصل مع إصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة، وإلغاء التّعليم الزيتوني التقليدي، وحلّ الأحباس، والدّعوة إلى إفطار رمضان وإعطاء الأولويّة للعمل والاقتصاد لأجل إنجاح «معركة الخروج من التّخلّف» فضلا عن تشجيع المرأة على التحرّر من سجن البيت وسجن الحجاب التقليدي. أرست تلك النّخبة الدّستوريّة سلطتها من خلال سلطة الدّولة الحديثة والقويّة والوصيّة على المجتمع والعاملة على تطويره حتى يلتحق بركب « المجتمعات المتحضّرة»، لكنّها كانت عارفة بخصائص الواقع التونسي، وأنّ المواقف في صلب الحزب الحرّ الدّستوري إزاء الدّين ومؤسّساته ليست متجانسة، وكان عليها أن تُراعي أيضا المشاعر الدّينيّة لمعظم التونسيّين وعلماء الدّين الموالين لها. ونحن نفترض أنّ هذا الإدراك وهذا الحسّ السياسي هو الذي جعل بورقيبة وصحبته يختارون صياغة الفصل الأوّل من الدّستور على النّحو المعروف (تونس دولة حرّة، مستقلّة، ذات سيادة الإسلام دينها، والعربيّة لغتها، والجمهوريّة نظامها) ويستبعدون مقترح فرع اتّحاد الطّلبة التونسيين بفرنسا بإقامة نظام لائكي، وهي دعوة تصدّى لها علماء الدّين بردود حادّة في «المجلّة الزيتونيّة».


هذا التوجّه الذي اختار معاملة الإسلام كدين رسمي للدّولة -وفق فهمنا- تجسّد كذلك في التّنصيص على أن يكون المترشّح لرئاسة الجمهوريّة مسلما، وفي إقامة إدارة عامّة للشعائر الدّينية، وفي تدريس مادّة التربية الإسلاميّة بالابتدائي والثانوي، إلى جانب اعتلاء بورقيبة المنبر للإرشاد مفعّلا الصلاحيّة التقليديّة للأمير في المجتمعات السنيّة. ولذلك أيضا راوح بورقيبة بين التبشير بمثُل علمانيّة وبين التّصدي لمهمّة تحديث الرّؤية الدّينية والتشريع، ورغم إعجابه بكمال أتاتورك رفض متابعته في التهجّم على الإسلام وإرساء النّظام اللاّئكي. كانت ثورة بورقيبة من داخل الإسلام وتحت سقفه وليس من خارجه. وفي ذلك لم يكن له من أفق سوى الدّولة المدنيّة، ولم يُدر بخلد عاقل أن الصيغة الواردة بدستور 1959 «الإسلام دينها» تمهّد لإرساء «دولة دينيّة» سواء بمعنى الدّولة التي يحكمها رجال الدّين أو بمعنى الدّولة التي تجعل غايتها ومصدر شرعيّتها تطبيق الشريعة وأحكامها.


على أنّ الهجوم الكاسح الذي شنّه بورقيبة على المؤسّسة الدّينيّة التقليديّة ورجالها تحول بداية من النصف الثاني من الستينات إلى هدنة وإعادة الاعتبار لبعض القيم الموروثة وهي فرصة استفاد منها التيار الإسلامي الوليد والذي استغلّ كلاّ من تجاوزات بورقيبة وطفوليّة اليسار المناوئ للدّين، وهذا لا يمنع من أنّ المحاولة الأولى للمصالحة بين الدّولة والدّين وما شهدته من تأثيث لبرامج التربية الدّينية بمضامين محافظة قد أثارت غضب التيّار الحداثي الذي يمثّل ثمرة التنشئة البورقيبيّة وتأثيرات ثقافة التنوير والثورة الفرنسيّة والإيديولوجيّة اللاّئكيّة. ينبغي التنبيه إلى أنّ هذا التيّار الحداثوي واللاّئكي الذي يشمل تنظيمات سياسيّة وجمعيّات وشخصيّات فكريّة أو ناشطة في المجال الثقافي، حقّق منذ الستينات السيطرة على ساحة الفكر والثقافة العليا وأثّر بقوّة على نمط تفكير النّخبة وكان حاضرا باستمرار لتوجيه أو خدمة مشاريع السلطة المناهضة للإسلام السياسي وصولا إلى المحطّة الرّاهنة والدور الذي لعبته مكوّنات هذا التيار ورموزه في دعم مشروع أو سياسة قيس سعيّد.، وللتوضح فإنّنا نصف هذا التيار باللاّئكي تحديدا وليس بالعلماني باعتبار أنّ اللاّئكيّة تفترض الفصل التّام بين الدّين والسياسة والدّين والدّولة وارتبطت تاريخيّا بالنموذج الفرنسي الذي حاصر تأثير الدّين وكافح ضدّ رجاله، في اختلاف عن العلمانية التي سادت بالبلدان التي عرفت تجربة الإصلاح البروتستانتي، وحيث، رغم تراجع دور الدّين بشكل كبير أحيانا، فإنّه لا وجود لمبدإ الفصل، بل أنّ البروتستانتينيّة تُعامل فيها كدين رسمي. وبالمثل فإنّنا نستخدم عبارة حداثوية وحداثوي لتسمية الإيديولوجيّات والانتاجات الفكريّة التي ترفض التّعاطي باستقلاليّة وبعقل نقدي مع الحداثة الغربيّة والقيم التي رافقتها، بل تعتبرها أسمى ما انتجت الإنسانيّة، وبالمقابل تدخل في علاقة قطيعة مع الموروث الثقافي والفكري الإسلامي.


رغم جرأة وحدّيّة الدّعوة الإصلاحيّة لبورقيبة فقد كان صاحب مشروع ورؤية شموليّة للتّحديث الوطني خلافا لمن حلّ محلّه باستغلال عجزه. فبالنّسبة لنظام بن علي لم تكن الحداثة سوى واجهة لتلميع صورته وتبرير مشروعه للسيطرة واستئصال منافسته الرئيسيّة، حركة النهضة، وحشد الأنصار ضمن ما يسمّى آنذاك بالجبهة المعادية للظّلاميّة. كانت المرحلة النوفمبريّة مرحلة تلاعب سياسي صرف بكلّ من قيم الحداثة والقيم الدّينيّة: شعارات كاذبة حول كونيّة حقوق الإنسان التي يتمّ دوسها يوميّا، وتنازلات بروتوكوليّة شكليّة لمظاهر احترام الدّين، يقابلها نهج أمني في التعامل مع التديّن، كما شهدت به المراقبة البوليسيّة لفضاءات العبادة ومطاردة لبس الحجاب وتوظيف كلّ من النّخبة الدّينيّة والنّخب اللاّئكيّة في عمليّة اجتثاث الحركة الإسلاميّة واستهداف الحريّات الدّينيّة.


من المهمّ أخذ ما سبق بعين الاعتبار لفهم ما جرى ويجري في المرحلة الثانية من مسار العلاقة بين الدّين والدّولة والتي تقترح قراءة منعطفاتها في ثلاثة عناوين:


الأولى هي لحظة ثأر الدّين والقيّمين الجدد عليه من النهضويّين والسلفيّين وحزب التحرير، وهي أيضا لحظة الاستقطاب الحداثي-الإسلامي.


والثانية هي لحظة التوافق على اقتسام النفوذ بين الزعيمين والجناحين المتنفذين في كلّ من حركة النهضة ونداء تونس، وهي صفقة سياسية أفرزتها موازين القوّة وحسابات المصلحة، ولم تحل دون حصول احتكاكات وتوتّرات في التعامل مع القضايا ذات الصّلة بالدّين وإدارته وآخرها الموقف من مشروع التسوية في الإرث الذي تبنّاه الرّئيس قائد السبسي.


رغم أنّ بعض الأطراف ضمن الكتلة الثقافيّة والإيديولوجيّة الحداثويّة بقيت غير راضية عن دستور 2014، فقد لقي مقبوليّة واسعة وحظي بإجماع واسع باعتباره أرضيّة للتعايش، باستثناء مآخذ على البابين المتعلّقين بالسلطة التشريعيّة والسلطة التنفيذيّة تهمّ تقليص صلاحيّات رئيس الدّولة لفائدة نوع ممّا نُسمّيه دكتاتوريّة البرلمان، ودعوات وُجّهت من المكوّنات الدّيمقراطيّة الاجتماعيّة لتلافي هذا الإخلال. على أنّ أحدا لم يكن يتوقّع أن يعمد قيس سعيد إلى تأويل وتفعيل الفصل 80 بالطريقة التي فعل لتفكيك المنظومة التي جعلت – والحقّ يُقال- من الدّيمقراطيّة الليبرالية كما طُبّقت في تونس ديمقراطيّة فاسدة، وحوّلت البرلمان إلى فضاء لمناكفات ومناورات غرضها بقاء النهضة في مواقع النفوذ واحتفاظ رئيسها برئاسة مجلس النواب بأيّ ثمن.


كنّا عبّرنا عن رأينا في هذه التطوّرات الدراماتيكيّة في تدوينة لنا على صفحة الفايسبوك بتاريخ 01 أوت 2021، جاء فيها أنّ « ما أقدم عليه قيس سعيد يمثّل تجاوزا لما يتيحه له الفصل 80، بل يمكن اعتباره انقلابا دستوريّا وسياسيّا لكونه وضع حدّا لسيطرة النهضة على مقدرات الحياة السياسية، ورغم ضبابيّة الوجهة بخصوص فرص تجاوز الانسداد الذي آل إليه انحراف مسار الانتقال الدّيمقراطي عن الغايات التي كان يفترض بلوغها، فثمّة شيئا مؤكّدا وهو أنّ ما لجأ إليه قيس سعيد بعد تعثّر مبادرة الحوار الوطني أصبح عمليّا الحلّ الوحيد المتاح للخروج من المأزق (...) هو محظور دستوري ولكنّه محظور دفعت إليه الضرورة ... هو الحلّ الذي حلم به أو دعا إليه الكثيرون ممّن أصابهم اليأس من قدرة المنظومة المنبثقة من توافقات 2014 على إصلاح نفسها، إلى الحدّ الذي تمنّوا فيه مجيء مستبدّ عادل يضع حدّا للعبث والاستهتار».


بناءً على ما سبق يجوز القول أنّ قيس سعيّد استغلّ أوضاع الفساد السياسي وسوء الحوكمة لإزاحة طرف سياسي رئيسي كان دعّمه بالأصوات في رئاسيّات 2019 ثمّ أصبح خصما له لما تعلّق الشّأن بتحديد من بيده سلطة القرار. وعلى خلفيّة هذا التنازع حول الصلاحيّات وظّف سعيّد اللّغة الشعبويّة لشيطنة حركة النهضة وقيادتها كما عمل على استبعاد أو إضعاف الهيئات الوسيطة من أحزاب ونقابات وجمعيّات ومثقّفين من أجل إرساء سلطته الشخصيّة والانفراد بالقرار.


2 - قيس سعيد والبناء الدّستوري:


بين سوء التّفاهم مع اللاّئكيّين وسوء فهم معطيات التاريخ


بيد أنّ ما حصل إثر 25 جويلية 2021، بما في ذلك المرسوم 117 المنظّم للأحكام الاستثنائيّة، وما تلاه من قرارات تستهدف تطهير القضاء والتحكّم في السلطة القضائيّة وتنظيم الانتخابات بما يُوافق الرّغبة الرئاسيّة، كلّ هذا لا يكفى لتفسير ما ورد بدستور 30 جوان من بنود تهمّ صميم العلاقة بين الدّين والدّولة وتشكّل بديلا ليس فقط عمّا ورد بدستور 2014، وإنّما كذلك عن النسخة التي اقترحتها اللّجنة المضيّقة المُكلّفة بإعداد دستور «الجمهوريّة الجديدة». فما الذي حصل حتى يكلّف سعيّد وهو الشعبوي – المحافظ أستاذه الصادق بلعيد وزميله أمين محفوظ المعروفين بنزوعهما الحداثوي بهذه المهمّة؟ ثمّ لماذا رفض ما اقترحاه وعوّضه ببنود استفزّت كلّ الحداثيّين؟ كيف تفسّر هذه المفارقة وما أحدثته من لخبطة؟ وكيف برّر سعيّد مُقرراته بشأن علاقة الدّين بالدّولة وبالحرّيات؟


من بين العناصر التي قد تعين على الفهم ما حصل منذ 25 جويلية من ظهور موجة واسعة مساندة للرئيس أثمرها السخط الذي خلّفته إخفاقات العشريّة السابقة. ولا يقتصر هذا الحزام المناصر له على عامّة الشعب بل شمل نخبا سياسيّة ومثقّفين معادين بشدّة للإسلام السياسي ومصمّمين على اقتلاع مواطن نفوذ حركة النهضة ومحاسبة قيادتها. وقد حصل التقاء على هذه الأرضيّة بين شبكة أنصار قيس سعيّد والأحزاب القوميّة التي مازالت تعيش على ذاكرة الصّراع بين الإخوان وعبد الناصر أو حزب البعث السوري، ولفيف من الوطنيين الدّيمقراطيين وعناصر تجمعيّة-ندائيّة قيد إعادة الرّسكلة، وعناصر ذات علاقة مشبوهة بأمن بن علي والمخابرات الأجنبيّة، بالإضافة إلى نواة المثقفين اللاّئكيين المنادين بإقرار الحريّات الفرديّة جميعها تطبيقا لبنود الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدوليّة بما فيها 'الملاحق التّأويليّة ذات العلاقة بالممارسات الطقوسيّة للأقليّات والموقف من عقوبة الإعدام والمجاهرة بالمثليّة.


بيد أنّ ما يجمع بين المكوّنات المناصرة لقيس سعيّد لا ينبغي أن يحجب ما بينها من تعارضات في المصالح والإيديولوجيّات، كما يضعنا أمام لغز إسناد مُهمّة صياغة مسودّة الدستور الجديد لأستاذين في القانون يخالفان على طول الخطّ المواقف المحافظة لقيس سعيّد وأشهرها ما سبق أن أعلنه منذ سنة 2018 بخصوص التسوية في الميراث ووضعه في نفس الموقع مع حركة النّهضة، ثمّ ما عقب ذلك التكليف من استبعاد فصول أساسيّة من مقترحهما أو تحويرها بصورة اعتبرها الثنائي غير مقبولة وحاملة لمخاطر جسيمة.


من الواضح أنّ ثمّة خلافات كبيرة في الرّؤى وفي تصوّر مشروع تونس الغد، خلافات معروفة تمّ التغاضي عنها ووضعها بين قوسين، عن قصد أو عن غير قصد، ورغبة في ربح الطّرف الآخر أو من باب الحسابات الماكيافيليّة، ومن ضمن النقاط موضوع الالتباس أو سوء التفاهم ما يتعلّق بمبرّرات وحدود التخلّي عن الصّيغة الشهيرة الواردة بالفصل الأوّل من دستور 1959 و2014: « تونس دولة... الإسلام دينها...».


إذا كان السبب واضحا بالنسبة لأصحاب الخيار اللاّئكي ممّن لم يهضموا محاولة دستور 2014 التوفيق بين إسلام تونس ومدنيّة نظامها، وبين احترام حريّة الضمير واحترام المقدّسات، فإنّ الأمر ليس كذلك عند سعيّد. اللاّئكيّة تقتضي الفصل بين المجالين العام والخاص وبين السياسة والدّين وبين الدّولة والمؤسّسة الدّينيّة. وهو ما لا يقبل به قيس سعيّد، ومع ذلك رأيناه يُماشي دعاة إلغاء عبارة « الإسلام دينها»، فبماذا نفسّر هذه المفارقة التي أدّت إلى التقاء عابر وظاهري مع دعاة الفصل بين الدين والدّولة من الحداثيين؟


الجواب نجده في مساهمة فكريّة اتخذت شكل محاضرة قدّمها سعيّد سنة 2018 بعنوان «الإسلام دينها» وهي منشورة على صفحات التواصل الاجتماعي وقدّم الرئيس بعض عناصرها في لقائه مع الحجيج في دوان 2022 القراءة المتمعّنة بُغية معرفة الفكرة التي يريد إبلاغها والطريقة التي يبني بها برهنته أوصلتنا إلى أنّه يرفض استلاف المفاهيم التي أنتجها الغرب المرتبط في ذهنه بالمسيحيّة، وفي هذا الإطار يعتبر مقولة «دين الدّولة» مستوردة من الغرب كما أنّ تضمينها في دساتير أو مشاريع دساتير عدد من الدّول الإسلامية كان نتيجة مسلح استعمارية وليس تجبيرا عن حاجة للأمة الإسلاميّة، يتعلّق الأمر إذن بالبحث عن الأصالة ورفض الذوبان في المنظومة الفكريّة والقيميّة الغربية المهيمنة، وهو هدف علمي وثقافي مشروع بل مرغوب فيه حسب رأينا ولكن بشروط وضمن حدود تقدر أنّها لم تتوفّر في عرض الأسباب الذي قدّمه قيس سعيّد في محاضرته، والذي يتّسم بضعف الاتساق الفكري والتعارض بين المقدّمات والنتائج وعدم التزام نفس المنهجيّة في التعاطي مع المفاهيم وصولا إلى التلاعب بها.


يُقرّ قيس سعيّد من حيث المبدإ بالطابع التاريخي للأفكار والمفاهيم وتحوّل مدلولاتها من سياق إلى آخر كما فعل عند تطرّقه – السّريع لا محالة- لمفهوم دين الدّولة ولمفهوم الدّولة ذاته، والذي ارتبط في القديم بشخص الملك المقدّس، ولم يكن في الحضارة العربيّة الإسلاميّة يعني سوى فكرة التّداول والتعاقب الزمني للأسر الحاكمة، قبل أن يحلّ محله في الفترة المعاصرة المفهوم الحديث للدّولة بوصفها مؤسّسة مستقلّة عن أشخاص الحكّام، لكنّ سعيد يتخلّى عن هذه المقاربة التاريخيّة الموضوعية عندما يتطرّق إلى « النصوص التي يمكن وصفها بالدّستوريّة»: يقول أنّه حتى منتصف القرن التاسع عشر لم ترد فيها أيّ إشارة إلى الدولة أو إلى معتقدها ودينها وأنّ «الأمر محسوم لا يحتاج إلى مبدإ قانوني يحميه، فهل يمكن أن يكون لدولة الخلافة الإسلاميّة دين غير دين الإسلام؟».


بيد أنّ هذه المعاينة تتحوّل عند سعيّد إلى حاجز منهجي ومعرفي يحول دون الاعتراف بما أملته الأوضاع التاريخيّة، وتحديدا تحول عالم الإسلام من القوّة إلى الضعف ومن الازدهار إلى التخلّف – من ضرورة الأخذ عمّن تجاوزهم وتفوّق عليهم في المجال المعرفي والتنظيمي والاقتصادي وغيره. بعبارة أخرى يتعامل سعيّد مع مسألة العلاقة بين الحضارات والتّثاقف الذي لا مناص منه على أساس أنّ الإسلام مُكتف بذاته ولم يكن في حاجة للأخذ من الغير، أي أنّه رغم الأزمة الخانقة لدولة الخلافة ومؤسّسة الخلافة والتي أحرجت رجالات النّهضة والإصلاح إلى أبعد الحدود، فإنّه لم تكن ثمّة ضرورة للبحث عن حلول في الانفتاح على الغرب الحديث والأخذ منه. ضمن هذا الإطار جاء رفض قيس سعيّد الحديث عن دين دولة في أرض الإسلام وإنكاره ما حصل من ذلك، مقدّما نوعين من الحُجج.


الحجّة الأولى أرادها أن تكون فلسفيّة-معرفيّة قوامها أنّ الدّولة عبارة عن فكرة أو مؤسّسة قائمة الذّات من باب التصوّر والخيال، فكيف لهذه الذّات المعنويّة أن تكون لها عقيدة وأن تدين بدين من الأديان؟ هل توجد دولة بهذا المفهوم الحديث تطوف بالبيت الحرام أو تصوم أو تتطّهر وتغتسل؟ وهل يوجد يوم حشر للدّول؟ وعليه « فالإسلام لا يمكن أن يكون إلاّ دين الأمّة وليس دين الدّولة». بقطع النّظر عن استعادة سعيّد لهذا الخطاب أمام تونسيّين يتهيّؤون للذّهاب إلى بيت الله الحرام ولا يفهمون شيئا ممّا يقوله، وبالتالي عن الاستغلال التعسّفي لذلك الموقف، فإنّ التمييز الذي أقامه سعيّد قائم على مغالطة أو تلاعب بالمصطلحات. فالأمّة بدورها عبارة عن تصوّر وبناء مخيالي، وهي مفهوم تطوّر تاريخيا لينتج تميّزا بين الأمّة الدّينيّة والأمّة القوميّة. وكما يختلف رعايا الدّولة أو مواطنوها عن الدّولة، يختلف أفراد الأمّة عن الأمّة. وإذا أخذنا بعبارات سعيّد فالأمّة مثل الدّولة لا تصلّي وتصوم ولا تحجّ، وإنّما يفعل ذلك أفراد منها بنسب متفاوتة بحسب ظروفهم ودرجة التزامهم الدّيني.



ISR Weekly

About ISR Weekly

هيئة التحرير

Previous
Next Post
ليست هناك تعليقات:
Write التعليقات


ابحث عن مقالات مثل التي قرأت

Advertise Here

المقالات الأكثر قراءة

_____________________________________________________
حقوق التأليف والنشر © مراجعات. جميع الحقوق محفوظة.